
الشركات الأوروبية تتعاون مع منافسيها الصينيين رغم مخاوف "فك الارتباط"
23 سبتمبر, 2026 09:40 صباحاً
فتح ميديا - وكالات :
تتجه العلاقة الاقتصادية بين أوروبا والصين إلى مسار أكثر تعقيداً، إذ بدأت شركات أوروبية في مساعدة منافسين صينيين على دخول الأسواق الأوروبية والتوسع فيها، رغم الدعوات السياسية المتزايدة داخل "القارة العجوز" إلى تقليل الاعتماد على الصين وتنويع سلاسل التوريد والاستثمارات بعيداً عنها. وتسلط هذه الظاهرة الضوء على الفجوة بين الحسابات الاقتصادية للشركات والاعتبارات الاستراتيجية للحكومات.
وبحسب صحيفة فاينانشال تايمز، فإن عدداً من الشركات الأوروبية تتبنى نهجاً عملياً يقوم على التعاون مع الشركات الصينية بدلاً من مواجهتها مباشرة، في ظل جاذبية السوق الصينية من جهة، وتزايد القدرة التنافسية للشركات الصينية في قطاعات صناعية متعددة من جهة أخرى.
المصالح التجارية تتقدم على مخاوف فك الارتباط
تواجه الشركات الأوروبية ضغوطاً متزايدة لإعادة تقييم انكشافها على الصين، خصوصاً مع تصاعد المخاوف بشأن الاعتماد على سلاسل الإمداد الصينية والمنافسة الصناعية. لكن بالنسبة إلى الشركات، فإن التوسع الصيني داخل أوروبا يخلق أيضاً فرصاً تجارية يمكن الاستفادة منها عبر تقديم خدمات محلية أو شراكات أو بنية تحتية تساعد الوافدين الجدد على دخول السوق.
وتشير هذه المعادلة إلى أن عملية "تقليل المخاطر" لا تعني بالضرورة انسحاب الشركات الأوروبية من العلاقات التجارية مع الصين، بل قد تعني إعادة تنظيم هذه العلاقات بطريقة تمنح الشركات الأوروبية دوراً في موجة الاستثمارات الصينية داخل القارة.
الشركات الصينية تبحث عن بوابة إلى السوق الأوروبية
ويمثل السوق الأوروبية فرصة كبيرة للشركات الصينية الراغبة في التوسع خارج السوق المحلية، بفضل حجمه وقوته الشرائية وتنوعه الصناعي. وفي المقابل، تحتاج الشركات القادمة من الصين إلى شركاء محليين يمتلكون المعرفة بالأنظمة الأوروبية وشبكات التوزيع والعملاء والخدمات اللوجستية.
وهنا تظهر الشركات الأوروبية كحلقة وصل اقتصادية، إذ يمكنها توفير الخبرة المحلية والعلاقات التجارية والخدمات التي تساعد الشركات الصينية على بناء وجود أكثر رسوخاً في أوروبا، ما يحول بعض الشركات الأوروبية من منافسين محتملين إلى شركاء في عملية التوسع.
المنافسة الصينية تعيد تشكيل نماذج الأعمال الأوروبية
ويعكس هذا الاتجاه تحولاً أوسع في طبيعة المنافسة الصناعية، بعدما أصبحت الشركات الصينية أكثر حضوراً في عدد من القطاعات العالمية، ما يدفع الشركات الأوروبية إلى البحث عن نماذج جديدة للحفاظ على الإيرادات والنمو.
وبدلاً من الاقتصار على المنافسة المباشرة، يمكن للشركات الأوروبية الاستفادة من نمو الشركات الصينية عبر بيع الخدمات أو التكنولوجيا أو الحلول اللوجستية أو الاستشارات لها، وهو نموذج يسمح بتحويل جزء من التحدي التنافسي إلى مصدر للإيرادات.
فجوة بين السياسة والاقتصاد
وتكشف هذه التطورات عن تحدٍ رئيس أمام الاستراتيجية الاقتصادية الأوروبية: الحكومات تدفع نحو تقليل المخاطر المرتبطة بالصين، بينما تتحرك الشركات وفق اعتبارات السوق والربحية وفرص النمو. وتظل الصين شريكاً تجارياً مهماً لأوروبا، في وقت تتزايد فيه القيود التجارية والمخاوف المتعلقة بالأمن الاقتصادي وسلاسل الإمداد.
وتشير تحليلات أوروبية إلى أن تعزيز القدرة التنافسية للقارة يتطلب توسيع السوق الموحدة وتحسين وصول الشركات إلى التمويل والاستثمار، إلى جانب دعم الابتكار وقدرة الشركات الأوروبية على التوسع عالمياً.
شراكات جديدة في اقتصاد أكثر تعقيداً
وتعني زيادة التعاون بين الشركات الأوروبية والصينية أن العلاقة الاقتصادية بين الجانبين لا تتحرك في اتجاه واحد نحو الانفصال، بل تتجه إلى نموذج أكثر انتقائية، تتداخل فيه المنافسة مع الشراكة والاستثمار.
وبالنسبة إلى الشركات الأوروبية، قد يمثل التعاون مع الشركات الصينية وسيلة للحفاظ على موقعها في سلاسل القيمة العالمية والاستفادة من الاستثمارات الجديدة داخل القارة، بينما يمنح الشركات الصينية قناة أكثر سهولة لفهم السوق الأوروبية والتوسع فيها. ويجعل ذلك العلاقة التجارية بين الطرفين أقل قابلية للاختزال في مفهوم "فك الارتباط"، وأكثر ارتباطاً بحسابات الشركات والقطاعات والأسواق المختلفة.




