معنى "الدولة الواحدة" في العقل الصهيوني

الخديعة في فكرة "الدولة الواحدة" عندما يطرحها متطرفون يمزجون التطرف الصهيوني بالتطرف الديني اليهودي؛ لا تحتاج الى طول شرح. فما يقولونه هو المعادل الموضوعي لفكرة "أرض إسرائيل الكاملة" التي تحدث عنها اليهودي الأوكراني الصهيوني المتطرف، زئيف جابوتنسكي.

معنى "الدولة الواحدة" في العقل الصهيوني
الكاتب عدلي صادق

بقلم/ عدلي صادق

 اليوم، وبسبب فقدان الطيف السياسي الفلسطيني، القدرة على المبادرة، بدأت تُسمع في أوساطه، ارتجاعات صوت مقتضبة، لمقولات صادرة عن أكثر الأوساط الصهيونية تطرفاً، تتحدث عن مشروع "الدولة الواحدة" ثنائية القومية، دون أن تشرح هذه الأوساط، مقاصدها من هذه الدولة، أو أن ترسم لها صورة إيضاحية. 
  على الجانب الفلسطيني، كان لافتاً أن بعض الذين تحمسوا سابقاً لمشروع الدولة الفلسطينية المستقلة على أراضي احتلال 67، وظلوا يتحدثون عن حل الدولتين؛ هم الذين سارعوا الى التقاط فكرة "الدولة الواحدة" فيما يشبه الإعتراف الضمني بفشل الحل الأول، بعد أن استهلك ثلث القرن من الزمن، والتهيؤ للدخول في مناخات الحل الثاني ذي الدولة الواحدة المزعومة، وهذا ربما يستغرق الزمن من اليوم حتى قيام الساعة.  وفي الحقيقة، ثبت أن فرضيات الحل الأول، كانت ملهاة سخيفة، أنتجت واهمين لا زالوا يتخيلون أنفسهم رجالاً تاريخيين، وقد استشهد أو طوى الموت، النبلاء الكُثر، الذين خابت أمانيهم.

ويمكن القول استطراداً، أن مقاربات الحل الأول وما أوقعه في رؤوسنا من آلام، جت استهلاكاً للوقت وإجهاضاً لمضامين الحركة الوطنية الفلسطينية، لكي تستكمل إسرائيل عمليات التوسع الإستيطاني في ظلال سلطة فلسطينية تحفظ الأمن، وتضبط حركة المجتمع، فيما هي تتزين بالرمزيات الفلسطينية. وللأسف فإن جديد اليوم، هو أن غسرائيل وصلت الى قناعة بأن تلك السلطة قد استنفدت أغراضها، وحان موعد تنقيحها أو إعادة صياغتها، بمقاربات من "أشرف" الجعبري!
   المتقبلون خديعة "الدولة الواحدة" يشبهون العليل المضطر الى تناول المسَكِنات بديل الطبابة أو في عدم وجودها. وهؤلاء غالباً من الطيف السياسي الذي لا يصلح لعمل جماهيري أو لاستنهاض وطني، لأنه أصلاً أسهم في خلق الوقائع المضادة على الأرض، وظل يناويء العمل المقاوم، ولم يفكر مجرد تفكير ــ حتى أمام أكثر ممارسات الإحتلال فظاظة ــ في وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل!
  الخديعة في فكرة "الدولة الواحدة" عندما يطرحها متطرفون يمزجون التطرف الصهيوني بالتطرف الديني اليهودي؛ لا تحتاج الى طول شرح. فما يقولونه هو المعادل الموضوعي لفكرة "أرض إسرائيل الكاملة" التي تحدث عنها اليهودي الأوكراني الصهيوني المتطرف، زئيف جابوتنسكي. لذا فإن المقصود من فكرة "الدولة الواحدة"؛ هو مد الطُعم للفلسطينيين، في مبادرة شبيهة بخطط الثعالب. فلا خروج بالطبع عن الإجماع الصهيوني الأصولي، على يهودية الدولة و"نقائها". ومن سابع المستحيلات، أن يقترب العنصريون من منطق الدولة الواحدة ذات المواطنة المتساوية والأكثرية العربية. فهذه أخطر في ناظرهم، من حل الدولتين، وأشد خطرا بكثير حتى من إخلاء الضفة من المستوطنين لصالح الدولة الفلسطينية، بل أسوأ عندهم حتى من تطبيق قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الأمم المتحدة في نوفمبر 1947. ذلك لأن هكذا دولة، من شأنها على المدى البعيد، إفراغ يهودية الدولة من مضمونها، بدءاً بـ "تعكير نقائها" ووضعها تحت ضغوط الرفض الإنساني العالمي لنظام الفصل العنصري، لتؤول في النهاية الى العرب الفلسطينيين. فهذه حسبة لا ولن تغيب عن العقل الصهيوني، وما تطمح اليه إسرائيل، هو تأطير كيان حكم ذاتي فلسطيني بمؤسسات شكلية لإدارة حياة السكان، دون سيادة أو استقلال. ونقولها بكل صراحة، إن السلطويين الفلسطينيين سيتحملون المسؤولية عن تمرير هكذا صيغة، ما لم يتخذوا موقفاً عملياً، للفكاك الحقيقي من كل اشتراطات أوسلو.   
   ربما يكون الذين التقطوا فكرة "الدولة الواحدة" رأوا فيه مَخرجاً من حرج سياسي أو ضغوط نفسية، لكي يرفعوا عن كاهلهم عبء المكابدة في مقاومة الضمّ وما يسمى صفقة ترامب نتنياهو. فمن خلال مشروع ما يسمى "الدولة الواحدة" تسقط فرضية الضم بجعل الوطن الفلسطيني مضموماً بالكامل، وملكاً لـ "دولة واحدة" عتيدة، تضم الجميع. بينما هذه الدولة، في حقائق كل الصيغ والمقاربات، لن تكون إلا صهيونية ويهودية بامتياز، ولها شروطها على من يعيشون داخل حدوها!
  فعندما ينتج العقل الصهيوني الأصولي هكذا فكرة، فستكون لها حتماً تفصيلات لن تصل في تحضرها إلى مستوى المنهجية التي اتبعتها دولة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وهذه ليست فرضيات نفترضها، وإنما هي ممارسات مشهودة، إذ يفتش الصهيونيون الآن، عن وسيلة للخلاص من العنصر الإسرائيلي غير اليهودي في دولته، ولن يتقبل مجرد التفكير في صيغة تضيف إلى العرب الفلسطينيين؛ المسلمين والمسيحيين والدروز، خمسة ملايين إنسان عربي فلسطيني آخرين.
مشروع "الدولة الواحدة" عند القوى المتنفذة في إسرائيل، هو إعادة هيكلة الدولة بالمستجد الجغرافي والسكاني،  من خلال تدابير تشتمل على تأسيس إطار محلي تشريعي للسكان، دون الإطار السياسي، وضمان نوم مريح للفلسطينيين في مهاجعهم، مقابل وظيفتهم كقوة عمل رخيصة. ومثلما قال  رؤوفين ريفلين، عندما كان رئيسا للبرلمان الإسرائيلي (وقد أصبح في العام 2014 رئيسا للدولة، وهو يعارض حل الدولتين) إن هذا الحل، يقوم على أساس ثلاثة خيارات أمام الفلسطيني: الأول  أن يظل يتمسك بهدف الدولة الفلسطينية ويسعى إلى قيامها، وبهذا الخيار لا يحق له البقاء على "أرض إسرائيل الكاملة"، والثاني، أن يكون مؤيدا للسيادة اليهودية على الأرض، لكنه لا يريد الالتزام بكامل واجباته وأولها الجندية، وهذا ستقبله إسرائيل كمقيم وله حقوق إنسان كاملة، لكنه لن يحظى بتمثيل سياسي في مؤسسات الدولة. أما الخيار الثالث، فهو الفلسطيني المأمول الذي تطمح الصيونية الى اختراعه، وهو المستعد لأداء قسم الولاء والإخلاص للدولة وللقيام بكل "الواجبات" العسكرية والمدنية، شأنه شأن اليهودي، وهذا سيكون من حقه الحصول على المواطنة!
معنى ذلك أن ما يثرثر به اليائسون، هو نوع من التمهيد أو الإستعداد لإنكار الهوية والإنقلاب على الذات الوطنية وعلى التاريخ!