الرؤيا الإستراتيجية للفصائل الفلسطينية

كتب: د. هاني العقاد

قد يكون لقاء الفصائل الفلسطينية في موسكو مناسبة تستطيع وزارة الخارجية الروسية من خلالها وقف حالة النزف الوطني التي تنذر بتدمير شامل للمشروع الوطني الفلسطينيني وتستطيع الفصائل التقاط الرسائل وفهمها استراتيجيا، لعل وعسى يتعقل الفلسطينين بعد هذا الحوار ويعود الفلسطينيين للحضن الوطني، ويكف البعض عن الجنوح باتجاه مشاريع الخسارة والضياع التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية وتساهم الأموال العربية في تمريرها.

ولعل اللقاء الذي يجري في موسكو بمبادرة من وزارة الخاريجة الروسية سببه أن موسكو تدرك وجوب أن يكون لها دور مركزي في القضية الفلسطينية ينطلق من البدء في قيادة حوارات تهدف لبناء رؤيا استراتيجية وطنية شاملة للفصائل الفلسطينية جمعاء، بما فيها فتح وحماس، ولن يكون ذلك متاحا إلا إذا تحققت الوحدة الوطنية الفلسطينية، ولن تنجح موسكو إلا إذا نجحت في الدفع باتجاه قبول تطبيق اتفاقات المصالحة الفلسطينية التى عقدت في أكثر من عاصمة عربية وآخرها اتفاق القاهرة سبتمبر 2017، الذي توقف ولم يستكمل لإدراك حماس أنها لن تجني أي مرابح من وراء ذلك، وسوف تصطف مع باقي الفصائل الفلسطينينة بعيدا عن أي صلاحيات سلوطية في النهاية وهذا ما لا يمكن أن تقبله قيادة الحركة بأي شكل من الأشكال.

الانقسام الفلسطيني دمر أول ما دمر إستراتيجية العمل الوطني الشامل، وبالتالي خلق أكثر من وجهة نظر ورؤيا حزبية خاصة، قد تتغير إذا ما تغير الراعي والداعم لهذا الفصيل أو تلك الحركة، فلا إستراتيجية عمل وطني لأي فصيل بعيدا عن المجموع الوطني، ومن يعتقد أنه يتملك إستراتيجية شاملة للعمل الوطني التحرري فإنه يعيش وهم القبيلة التى تعتقد أنها تحمي القبائل التي تعيش في كنفها، ومع تدمير إستراتيجية العمل الوطني الشاملة باتت الفصائل الفلسطينية بلا إستراتيجية حقيقية سوى أهداف الحزب السياسي أو الحركة التي يعتقد أصحابها أنها تنمو وتتطور دون أن يضعوا ذلك على مسطرة المعاير الوطنية الشاملة.

عندما دمر الانقسام إستراتيجية العمل الوطني دمر الإنسان الفلسطيني؛ لأنه جزء منها دمر مكوناته الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والوطنية وهذا ما كان الاحتلال الإسرائيلي يريد تحقيقه على مدار عقود الصراع المختلفة لكنه فشل إلى أن حدث الانقسام وجاء له على طبق من ذهب، وحقق له ما كان يحلم بتحقيقه وفشل بسبب وحدانية العمل الوطني وإستراتيجية النضال الوطني التي أجمع عليها الفلسطينين في مرحلة ما قبل السلطة.

لا أعتقد أن ينقذ الفلسطينين إستراتيجية عملهم الوطني من الدمار المستمر، ويتفقوا على ممثل شرعيي واحد وسلطة واحدة ومسيرة تحرر واحدة وأهداف وطنية واحدة وأدوات واحدة، يحققوا بها تلك الأهداف وإنسان فلسطيني واحد لأن الإنسان الفلسطيني لم يعد واحدا….!

فقد يقاس الإنسان الوطني بمدى انتمائه الوطني والتفاني في خدمة أهداف الوطن التحررية، وإنهاء الاحتلال، فالإنسان الفلسطيني بات مختلفا عن الماضي، فبعد أن كان يناضل من أجل الوطن والحرية أصبح يناضل فقط من أجل العيش والنجاة بنفسه وأولاده في ظل الحصار الاقتصادي والسياسي الشامل الذي يتعرض له في غزة؛ بسبب الانقسام وعدم رغبة البعض في العمل تحت راية واحدة مع الكل لبناء رؤيا إستراتيجية للعمل الوطني الشامل، حاولت بعض الفصائل في غزة العمل حسب رؤيا ذاتية وبالتالي حاولت التاثير على بعض الحركات وفصائل العمل الإسلامي وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية في محاولة لتكوين جهة تمثيلية أخرى غير منظمة التحرير الفلسطينية، لها إستراتيجية عمل وطني شامل وهذا أخطر ما وصل إليه الانقسام الفلسطيني حتى الآن، دون جنوح باتجاه ديموقراطي لتوحيد الثميل السياسي والوطني بل إن هذا الانقسام أصبح يعني أن سيناريو الانقسام ذاهب إلى انفصال سياسي كبير، قد تتولد معه بدائل لمنظمة التحرير الفلسطينية يعترف بها بعض من الدول التي ترغب في تحقيق الخطة الأمريكية بالشرق الأوسط، على حساب الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

ما بات مهما أن يفيق من يحاول العمل بإستراتيجية بديلة أو حزبية أو قبلية من جبل الوهم الذي يتربع عليه، وينزل لقراءة صحيحة لنصائح المخلصين بالعالم، وأعتقد أن روسيا تقدم نصائحها للفلسطينين دون مقابل ولا تريد ثمن مقابل ذلك؛ لأن وحدة الفلسطينين تعني أن المشروع الأمريكي اليوم في انحصار وتلاشي وفشل ذريع لأنه قام على أساس التفرقة والانقسام الفلسطيني وعلى أساس تقديم الحلول لغزة اقتصاديا بعد موتها بسبب الحصار الطويل الذي فرضته إسرائيل لينتهي بقبول حماس وبعض الفصائل في غزة، بهذه الحلول المرحلية، لوطن إسمه “دويلة غزة” بعد فترة من الزمن دون باقي أرجاء الوطن، ودون القدس أو اللاجئين أو دون اعتراف بحدود هذه الدويلة وسيادتها واستقلالها.

لعل فشل لقاء موسكو متوقع وعودة الفلسطينين من هناك مطأطئي الرؤوس متوقع؛ لأن الوحدة الوطنية لدى بعض الفصائل مازال يعني مسألة ربح وخسارة، وما يمكن أن تحققه الوحدة الوطنية من ثبات لتلك الفصائل حتى لو كانت على حساب المشروع الوطني، لذلك لا أعتقد أن تكون للفلسطينين قريبا رؤيا إستراتيجية شاملة يعمل الكل الفلسطيني من أجل تحقيق أهدافها وأولها التحرر من الاحتلال، وبناء الدولة الفلسطينية على كامل التراب الوطني الفلسطينى والقدس العاصمة، إلا أن يرتقي البعض بمستوى التفكير الوطني والعمل بعيدا عن أهداف حزبية ومصلحة ذاتية، ولعل التشاؤم في هذا الإطار يأتي من خلال تمسك كل فصيل بما لديه من أهداف ورؤى خاصة، قد تتقاطع أغلبها في إطار التحرر والانعتاق من الاحتلال الإسرائيلي، لكن دون وحدانية لهذه الإستراتيجية، ووحدانية تمثلها تتحدث بإسم الفلسطينين أمام العالم وتبني ويبني معها كل أحرار العالم الدولة الفلسطينية الواحدة.

مقالات ذات صلة