تسريب عريقات ومعطيات الواقع

 تسريب عريقات ومعطيات الواقع
  كتاب وآراء

بقلم : ديمتري الفليت

قبل الدخول في جدل الحقيقة والكذب من التسريب الصوتي الأخير للدكتور صائب عريقات كبير مفاوضي السلطة الفلسطينية، وأنا لستُ خبيراً في كشف الأصوات ولكن ما ورد في التسجيل الأخير المنسوب للدكتور عريقات هو وبكل جدارة، مُترجم على أرض الواقع، وينم عن سلوكيات الرئيس الفلسطيني محمود عباس وتعاطيه مع مخططات الاحتلال الإسرائيلي، الذي يتبنى دبلوماسية غريبة الأطوار أشبه بدبلوماسية التعامل مع التلاميذ في المدرسة.

فما ورد في التسريب عن أخطاء من تصرفات الرئيس الذي كان يأمل من نتنياهو أن يعطيه شيء وكأن دولة احتلال وهم أصحاب الأرض وهذا ما ورد على لسان صائب عريقات.

لا أريد أن يؤخذ حديثي من باب التخوين، وهذا أو ذاك أو لمنح شهادات نضالية بقدر ما سرد من حقائق وأليات عملية لمواجهة مخططات الاحتلال والتنمر على القانون الدولي من قبل بنيامين نتنياهو.

وأظن أن الرئيس عباس لا يجيد التفريق بين الالتزام الشخصي والالتزام الدولي المحكم في الاتفاقيات الدولية النابع من إرادة وقرار شعبي بموجبه تم انتخابه كرئيس للسلطة الفلسطينية.

التسجيل الصوتي بحد ذاته ليس مُعيباً للدكتور صائب عريقات، أو نقطة سوداء تُسجل عليه مستقبلاً بقدر ما هو بمثابة إبراء ذمة من مسؤولية وطنية مناطة به كونه رئيس دائرة المفاوضات وأنه ليس بصاحب قرار يتخذه في المسائل التي تحتاج لقرار من رئيس منظمة التحرير أو رئيس السلطة الفلسطينية.

واستباقا لأي حملة تخوين لعريقات أو اتهامه بالفشل في إدارة أخطر وأعقد الملفات في منظمة التحرير فإن الرجل قال ما يمليه عليه عقله وضميره الوطني.

التسريب الصوتي المنسوب لصائب عريقات، ليس له أبعاد زمنية فحسب وبالنظر لما ورد فيه يؤكد ويقطع أي مجال للشك بأن الرئيس عباس إما أن يكون فقد تأثيره السياسي منذُ وقت أو أنه كان متعمداً في تأجيل الخطوات الدبلوماسية التي كان من المفترض أن يقوم بها، ليواجه مخططات الاحتلال الإسرائيلي، والجميع يتفق بأن الرئيس عباس كان يتوجب عليه فعل شيء إزاء ما تتعرض له القضية الفلسطينية.

فلا أحد يستطيع أن ينكر أن دور السلطة في الآونة الأخيرة يركز على القضايا الإدارية الداخلية والمالية فقط، وظهر ذلك في القرارات والقوانين التي أصدرها الرئيس المتعلقة بالترقيات وزيادة الرواتب والمكافآت لمن يحيطون به، وكذلك لحدود جغرافية معينة وهي المحافظات الجنوبية، ولكي أقطع الشك في اليقين فإن القرارات التي اتخذها الرئيس عباس في دورة انعقاد المجلس الوطني والتي تتلخص في تفعيل قرارات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وهي قطع العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي للأسف جاءت متأخرة جداً فتطبيق هذه القرارات قد يعود على السلطة الفلسطينية بكوارث جمة خصوصاً، بعد الإعلان عن شكل صفقة القرن، وللتوضيح أكثر أن قطع العلاقات مع إسرائيل بعد أن تم ترسيم حدودها بما يعرف بصفقة القرن، له أثار قانونية ودبلوماسية يتحمل مسؤوليتها الشعب الفلسطيني وكأن الأمر يوحي بأن لا وجود لسلطة فلسطينية بعد رحيل الرئيس عباس .

السلطة جاءت بناءاً على اتفاقية أوسلو ولم تلتزم بها إسرائيل، والجميع يشهد كيف كان يتصرف الشهيد ياسر عرفات ويُعامل إسرائيل ويرد الصاع صاعين. أما في حقبة الرئيس عباس اختلف الأمر تماماً فبات من الصعب أن تواجه العالم بتصرفاتك وسكوتك طوال هذا الوقت، على التغول الإسرائيلي وتأتي الآن لتطالب بالحقوق التي سلبت أمامك.

حتى الاتفاقيات لا تأتي بناءاً على رغبة طرف واحد بل تعبر عن رغبة الطرفين فالسلطة الفلسطينية والرئيس عباس ظلاً متمسكين بالاتفاق رغم التجاوزات والخروقات الإسرائيلية، فلا فائدة من أن تتنصل منه الآن إلا إذا كان فعلاً الرئيس عباس لا يريد أن يترك سلطة بعده.