المشهدان الإسرائيلي والفلسطيني.. فائض القوة وفائض الضعف

المشهدان الإسرائيلي والفلسطيني.. فائض القوة وفائض الضعف
  كتاب وآراء

بقلم : عدلي صادق

 

لم يكن أمام رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، في مساء يوم 19 مايو الماضي، سوى تكرار الإعلان عن كونه أصبح في حِلّ من الاتفاقات و”التفاهمات” مع إسرائيل والإدارة الأميركية. وفي ذلك المساء، كانت قد مرت سنة وستة أيام على قرار سابق بالصيغة نفسها وللأسباب نفسها بالطبع (25 يوليو 2019) الذي سبقته ثلاثة إعلانات مشابهة متتالية على مر أربع سنوات، لكنها اختلفت باختلاف عناوين الأحداث والممارسات الإسرائيلية على الأرض.

فكأنما الرجل، في كل إعلان، يراهن على الوقع الثقيل للأسباب التي تجعله يعلن، فيتبدى كمن يصرخ ويستغيث من إفصاح إسرائيل عن نواياها، وتلويحها بأن الأمور وصلت إلى نهايتها الدرامية. ففي المرة الأخيرة كان وقع إعلان ضم أراضي الضفة ثقيلاً ومشفوعاً بتأييد أميركي صريح. وفي الحيثيات، كان هناك ما يشبه وضع حدود نهائية لدولة إسرائيل من جانب واحد، وتأطير الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية لنهر الأردن، بمحددات سياسية وجغرافية تحسم سلباً حُلم الفلسطينيين بدولة مستقلة، بمنطق فرض الأمر الواقع.

اللافت أن حكومة إسرائيل، تشكلت هذه المرة على قاعدة قرار الضم، وكان تشكيلها يعكس جدية اليمين المتطرف في إسرائيل، إذ بدت وظيفتها المقررة، هي تطبيق خطة ضم الأراضي ووضع الحدود الفاصلة بين إسرائيل والفلسطينيين. فقد تمكن بنيامين نتنياهو من جمع القوى الراغبة ليس في الضم والتوسع، بل في التمدد خارج حدود فلسطين التاريخية، علماً بأن الهدف الأساس لنتنياهو نفسه، هو الهرب إلى الأمام بالمزيد من التطرف، ومحاولة تجاوز الملاحقة القضائية بلائحة اتهام بثلاث قضايا فساد، من شأن إدانته فيها حرمانه من اللقب الرمزي الذي فعل كل شيء لكي يحصل عليه، وهو “ملك إسرائيل”. فلم يحدث في تاريخ هذه الدولة، أن شغل أحد موقع رئيس الحكومة، نصف عدد السنين التي أمضاها نتنياهو في هذا الموقع، ولا حتى دافيد بن غوريون مؤسس الدولة.

في يوم الاتفاق مع بيني غانتس، ساد منطق الأعطيات الهادفة إلى تشكيل الائتلاف، وقدم نتنياهو رشوة كبيرة لغانتس، إذ مُنح من تبقوا من حزب “أزرق أبيض” عدداً من الحقائب الوزارية أكبر من عدد النواب الذين تبقوا مع الأخير في “الكنيست” بعد أن غسل يديه من تعهداته لحزبه وللناخبين (15 من 33 نائبا). فقد حصل غانتس على 18 وزيراً و8 نواب وزير، وهذا هو العدد نفسه الذي حصل عليه “الليكود”. غير أن نتنياهو سجل لغير صالحه، أكثر من سابقة لا تضمن له الفوز بلقب تاريخي. فهو أول رئيس حكومة، يخوض معركة انتخابية ويشكل حكومته بينما توجد لائحة اتهام ضده في محكمة ستبدأ جلساتها بعد أيام قليلة من التشكيل. وكان من بين أسباب الحرص على إظهار الإصرار غير المسبوق على تنفيذ قرار ضم الأراضي، على ما فيه من خروج عن كل مرجعيات العملية السلمية مع الفلسطينيين وما استقر عليه موقف الأطراف الدولية الراعية لها؛ أن يضمن نتنياهو النجاة، من خلال استقطاب تأييد عارم من المستوطنين الأصوليين والشرائح الأكثر تطرفاً ومجافاةً لفكرة التسوية.

وهذه كانت من لوازم وغايات الرشوة السياسية، التي جعلت الحكومة الأخيرة هي الأكثر عدداً منذ تأسيس إسرائيل، إذ بلغ عدد وزرائها 36 وزيرًا إلى جانب 16 نائب وزير. ولتوفير هذا العدد من الأُعطيات، اقتضت عملية التشكيل إنشاء وزارات جديدة، بتحويل أقسام في وزارات قائمة إلى وزارات منفصلة، لإرضاء الشركاء في الائتلاف الحكومي. بل إن نتنياهو، الذي ظل يضع عينه على وزارة القضاء، اضطر إلى التنازل عنها لشريكه غانتس، متجاوزاً عن أهميتها بالنسبة إليه شخصياً، لكي ينجح في تشكيل الائتلاف.

 

 

غانتس، من جانبه، لم يكن أقل من شريكه انتهازية وتعلقاً بالسلطة، لكن هذه الانتهازية لامست الخيانة لرفاقه في حزب “أبيض أزرق” وللناخبين الذين صوتوا له وكان هدفهم إنهاء حياة نتنياهو السياسية، وإحالته إلى القضاء لكي يلقى جزاءه. فقد أدت انتهازية غانتس، التي يُغلفها بطريقة نتنياهو (إظهار التطرف السياسي والحماسة للضم والخوف من فايروس كوفيد – 19)، إلى انفضاض رفاقه الجنرالات عنه وتشكيل أحزاب جديدة.

وكان هدف نتنياهو، الذي بذل من أجل تحقيقه جهداً كبيراً مشفوعاً باستعداده لزيادة الإنفاق الحكومي وتشكيل وزارات جديدة، يتلخص في إقامة الائتلاف الذي يؤمن له حكومة تنقذه من الإدانة في القضاء. أما غانتس فقد استبسل وغامر بحزبه، لكي يحصل على سنة ونصف السنة في موقع رئيس الحكومة، بالتبادل مع نتنياهو. وكانت النتيجة أن تفكك حزب “أزرق أبيض” وانشق قياديون من الكُتل الأصغر التي يتشكل منها، كحزب “تيلم” الذي يقوده موشي يعلون، وتشكل من ذلك الحزب الصغير في كتلة غانتس، حزب جديد أصغر، وانشق رئيس حزب “البيت اليهودي” رافي بيرتس عن قائمة “يمينا”، وانقسم تحالف “العمل – غيشر – ميرتس” إلى ثلاثة أحزاب، وتبعثرت الخارطة الحزبية وتناسلت الأحزاب، وازداد المشهد الحزبي في إسرائيل تعقيداً، دون المساس بفائض قوة الدولة، فاقتصر “الصفو” و”جودة الرؤية” لدى اليمين الإسرائيلي كله، على مقاصد ونوايا ضم الأراضي الفلسطينية!

على الطرف الآخر، ظل العكس تماماً هو الحاصل على الجانب الفلسطيني. فمحمود عباس استمر في شطب القوى السياسية الفلسطينية، وفي إبقائها في حال اللاجدوى، بل جعلها عاجزة عن مجرد النطق أو الاعتراض والاجتهاد، في اجتماعات المناسبات، التي يقرر عقدها متى يشاء.

فبعد تعطيل عمل المؤسسات، والحفاظ على الانقسام الفلسطيني كهدف، ووقف كل أشكال الممارسة السياسية، وإطلاق فعاليات الفساد على كل صعيد؛ انتقل إلى إفراغ حركة فتح، نفسها، من مضمونها، واختزالها في شخصين أو ثلاثة على أن يقوم بينهم وبين عدد من زملائهم من أعضاء لجنته المركزية، نوع من الخصومة المستعصية، التي ظهرت أعراضها على شاشات التلفزيون، على النحو الذي ينذر بتشظي الكتلة الفصائلية الصلبة، التي كانت عليها فتح، إن لم تكن قد تشظت مسبقاً، من خلال حرص الرجل الكهل على الحفاظ على فائض الضعف.

وفي هذا الوضع، وحيال مشروع ضم الأراضي، لم يجد عباس أمامه سوى الإعلان عن كونه “في حِل” من الاتفاقات والتفاهمات، ووقف العمل بها. ولا يعلم الفلسطينيون كيف يمكن لعباس تنفيذ ما أعلن عنه. والأفدح، أن من بين ما أعلن عنه بنفسه، فاجأ الفلسطينيين، كوجود تفاهمات مع الأميركيين بعد الانضمام إلى المعاهدات الدولية أو إلى المنظمات التي يمكنها مساعدته على مقاومة الممارسات الإسرائيلية التي تعتمدها حكومة نتنياهو دون أن تخشى أي ردود أفعال دولية.

عندما أعلن يوم 19 مايو الماضي، كان عباس كمن يعلن صراحة أنه هو الذي هزم نفسه. استعان في خطابه بالعرب، وبالأصدقاء، وبالدول الراعية للعملية السلمية التي أجهزت عليها إسرائيل. لكن مناشداته لم تلق أي صدى. والأنكى، أنه على الرغم من الحجم المهول للخيبة، لم يكلف نفسه إعطاء محض إشارة، إلى استعداده لإنهاء الانقسام الفلسطيني، ولا إلى استعداده لإحياء إطار دستوري واحد، يصلح لأن يُتلى من فوق منبره، بيان إعلان غيابه، في حال شغور الموقع، وتأمين انتقال أقل صخبا لمسؤوليات السلطة، ولو بالحد الأدنى أو شبه المعدوم، من شروط مشروعية الحكم!